أحمد زكي صفوت
39
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
عمل ، أو موضع أمانة ، أو موطن جهاد ، وكان من رأى أهل الفضل أن يقصدوا حيث يلتمسون ، فأبطأ ذلك بهم أن يعرفوا وينتفع بهم ، وإن كان صاحب السلطان ممن لم يعرف الناس قبل أن يليهم ، ثم لم يزل يسأل عنهم من يعرفهم ، ولم يستثبت في استقضائهم ، زالت الأمور عن مراكزها ، ونزلت الرجال عن منازلها ، لأن الناس لا يلقوته إلا متصنّعين بأحسن ما يقدرون عليه من الصمت والكلام ، غير أن أهل النقص هم أشدّ تصنعا ، وأحلى ألسنة ، وأرفق تلطّفا للوزراء ، وتمحّلا لأن يثنى عليهم من وراء وراء ، فإذا آثر الولي ان يستخلص رجلا واحدا ممن ليس لذلك أهلا ، دعا إلى نفسه جميع ذلك الشّرج « 1 » ، وطمعوا فيه ، واجترءوا عليه ، وتواردوه ، وزحموا على ما عنده ، وإذا رأى ذلك أهل الفضل كفّوا عنه وباعدوا منه ، وكرهوا أن يروا في غير موضعهم ، أو يزاحموا غير نظرائهم . ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين الصرين ، وغيرهما من الأمصار والنواحي ، اختلاف هذه الأحكام المتناقضة ، التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدّماء والفروج والأموال ، فيستحلّ الدم والفرج بالحيرة ، وهما يحرّمان بالكوفة ، ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة ، فيستحلّ في ناحية منها ما يحرّم في ناحية أخرى ، غير أنه على كثرة ألوانه نافذ على المسلمين في دمائهم وحرمهم ، يقضى به قضاة جائر أمرهم وحكمهم ، مع أنه ليس ممّن ينظر في ذلك من أهل العراق وأهل الحجاز فريق إلّا قد لجّ بهم العجب مما في أيديهم ، والاستخفاف بمن سواهم ، فأقحمهم ذلك في الأمور التي يتبيّغ « 2 » بها من سمعها من ذوى الألباب ، مّا من يدّعى لزوم السّنّة منهم فيجعل ما ليس له سنّة سنّة حتى يبلغ ذلك به إلى أن يسفك الدم بغير بيّنة ولا حجّة على الامر الذي يزعم أنه سنة ، وإذا سئل عن ذلك لم يستطع أن يقول هريق فيه دم على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو أئمة الهدى من بعده ، وإذا قيل له : أىّ
--> ( 1 ) الشرج : النوع والمثل . ( 2 ) تبيغ به الدم : هاج به .